حين يتحدى ماكرون ولي العهد السعودي ثقافياً!
الأحد 15 إبريل-نيسان 2018 الساعة 09 مساءً / الفجر الجديد - بوعلام رمضاني
عدد القراءات (278)
يبدو أن حديث الإعلام الفرنسي، بشقيه الموالي والمعارض لإيمانويل ماكرون، عن قوة الدبلوماسية الثقافية عند الرئيس الفرنسي الشاب، لم يعد يتحمل أدنى شك، رمزيا وسيكولوجيا وعمليا، بعدما "تحدى" مؤخرا ولي العهد السعودي بطريقة تحمل أكثر من دلالة وإشارة غير مسبوقتين في مسار تعامله السياسي المصبوغ ثقافيا، كما أثبت ذلك مع رئيسي روسيا والصين.


حدث ذلك يوم الأحد الماضي، حينما طارد ضيفه "غير العادي"، والأصغر منه سنا، بعد إلغاء الوفد السعودي زيارته الثقافية إلى مارسيليا بمناسبة حلوله ثلاثة أيام ضيفا على الرئيس الفرنسي، الذي عوض عن الإلغاء المذكور بدرس ثقافي أضحى رسالة واضحة وغير مشفرة للضيف الذي قرر أن يحذو حذو حليفه الإماراتي، بإحداث "ثورة ثقافية" تقضي نظريا على "آثار الوهابية التاريخية"، بمن فيهم ضيف فرنسا الذي تربّى في كنفها، وهي نفسها "الثورة الثقافية" التي يتحدى بها الإخوان المسلمين المصنفين سعودياً إرهابيين يجب تدميرهم الآن على حد تعبيره، والمطاردين علمانياً في فرنسا الحرية!


الدرس الناعم!

ولي العهد الذي أكل وشرب ما طاب مع ماكرون خلال عشاء في أشهر متحف في العالم، وجد نفسه في موقف محرج، بعدما اقتيد باحترام نحو لوحة فنية أضحت درسا ثقافيا في الظاهر، وسياسيا في الجوهر، كما خطط مستضيفه الداهية حينما دعاه إلى التمتع برمز فني يتجاوز بعده الإبداعي الخالص ليرقى إلى مفهوم الحريات الجماعية والفردية الذي لا يتجزأ، على طريقة الضيف العربي والمسلم الحاضر والحكام العرب الآخرين المجاورين له، أو البعيدين عنه جغرافيا!

الضيف الذي ترك هندامه السعودي التقليدي في غرفته الخرافية عند زيارته معرض دولاكروا، جاء إلى عاصمة النور لـ "شراء" مخها الثقافي، وفكرها الفني، بغرض تطوير أذهان وصقل أرواح سعوديين يجب، حسب الرسالة الماكرونية، أن يرتقوا إلى مستوى لوحة تشكيلية تختصر كل مفاهيم الحرية من منظور المستضيف الذي ظهر سعيدا بتكتيكه الثقافي الناعم والمعلن هذه المرة والمرادف لتحد موصوف.

وتجاوزت الرسالة التي مررها ماكرون في شكل درس يلقنه الأستاذ الغني ثقافيا، للتلميذ الغني نفطيا، حينما استكمل تكتيكه الدبلوماسي الثقافي متباهيا ومشيرا إلى لوحة أوجين دولاكروا "الشعب يقود الثورة" وهي اللوحة التي تكشف عن صدر عارٍ لامرأة ثورية ترمز إلى الأسس والشعارات السياسية التي قامت عليها الجمهورية الفرنسية، لا تتجزأ ولا تفصل بين السياسة والثقافة.

 

بند غير مكتوب

درس التعبير الحر الذي لا تحده- المفاهيم الإسلامية وغير الإسلامية من منظور علماني لا يتجزأ في الزمان والمكان وحتى وإن تعلق الأمر بالسعودية الحليفة الغنية - يعد دعوة ماكرونية تتجاوز قيادة المرأة للسيارة، والسماح بارتيادها دور السينما والأوبرا والمعالم الأثرية والسياحية السابقة لتاريخ ظهور الإسلام، كما نصت اتفاقية التعاون الثقافي الفرنسي السعودي. وحسب فرنسوا جيريه، رئيس المعهد الفرنسي للتحاليل الاستراتيجية الذي تحدث لموقع "علبة الثقافة" الإلكتروني: "فإن شرح ماكرون لولي العهد السعودي لوحة ابنة الشعب عارية النهدين ومجسدة رموز الجمهورية الثورية في معرض استعادي للرسام الفرنسي الكبير دولاكروا (1798-1863) يعني أن ماكرون قد توجه إلى ضيفه بقوله: "أنت الحاكم الشاب الذي يرمز إلى الإصلاح والتحرر... يمكن لك أن تستلهم الكثير من هذه اللوحة"!

الزيارة السياسية، التي اتخذت من الثقافة وسيلة، تكللت بتوقيع اتفاقية تعاون ثقافي كبير يعيد إلى الأذهان النهج الإماراتي، الأمر الذي يؤكد التطابق بين حكام خليجيين تفطنوا متأخرين لدور الثقافة في عالم اليوم، ولو في شكل تسويق ظاهري وغير جذري للممارسة الثقافية الحقيقية، باعتبارها حرية تتفرع من الحريات الفردية والجماعية الأخرى، كما أشار إلى ذلك الرئيس الفرنسي في شرحه مغزى لوحة دولاكروا في قالب بند ثقافي غير مكتوب، قبل أن توقع وزيرته للثقافة، فرنسوا نيسان، المديرة السابقة لدار نشر "اكت سود"، مع نظيرها السعودي اتفاقية تعاون شاملة تتضمن بنودا مكتوبة تتعلق أكثر بالبنية التحتية العامة وليس الفوقية التي لا تستورد ولا تصدر!

تضمنت الاتفاقية الثقافية العامة عدة بنود عاد بها محمد بن سلمان إلى بلاده (بعباءته التقليدية التي خلعها وهو يستمع إلى ماكرون في متحف اللوفر) مبشرا شعبه ببزوغ فجر التحديث الثقافي المادي الطابع، حتى وإن طاول مجالا كان محرما مثل قيادة السيارات من طرف النساء، ومشاهدة الأفلام في قاعات سينمائية وحضور حفلات موسيقية. وتعلق الأمر بخطة تسمح خلال عشرة أعوام باستغلال الآثار الواقعة شمال غرب السعودية في منطقة العلى الزاخرة بمعالم أثرية نبطية، إضافة إلى بناء أوبرا وتكوين وتطوير مسارح ومتاحف، اعتمادا على الخبرة الفرنسية الكبيرة، كما فعلت الحليفة الإمارات بواسطة وكالة فرنسا للمتاحف التي أنجزت متحف لوفر أبوظبي، وسيشمل التعاون الثقافي بين باريس والرياض المجال السينمائي بمشاركة السعودية بأفلام قصيرة في مهرجان "كان، الذي سينعقد من الثامن إلى التاسع عشر مايو/ أيار.


تكوين مهني سياحي وثقافي

التكوين المهني المبرمج سيسمح بتحويل الموقع الأثري النبطي الذي يغطي مساحة 2200 كلم مربع، حسب عمر المدني، المدير العام للجنة الثقافية الملكية، إلى متحف في الهواء الطلق، وسيتم المشروع بفضل خبراء من المركز الفرنسي للأبحاث العلمية وآخرين من السعودية، ويعد المشروع المذكور سابقة أولى من نوعها، حسب رجل الأعمال جيرار مسترالي، رئيس مجلس إدارة انجيه للطاقة، ومبعوث ماكرون إلى منطقة العُلى.

تكوين طلاب وطالبات في كل ما يتعلق بمهن التراث والسياحة والآثار ومختلف العروض الثقافية جانب يدخل في صلب مراهنة السعودية على فرنسا المعروفة عالميا في مجال السياحة الثقافية، بهدف تحوّلها إلى منارة سياحية اعتمادا على العرض الثقافي المتنوع الذي سيشمل أيضا بناء أوبرا وتأسيس أوركسترا، وتكوين خبراء في كل المجالات المتعلقة بالصورة والصوت اعتمادا على المعهد الوطني الفرنسي السمعي البصري. وزيرة الثقافة الفرنسية، فرنسواز نيسن، التي ورثت عن أبيها دار "أكت سود" المعروفة والتي تفرعت عنها سلسلة سندباد التي تترجم الأدب العربي إلى اللغة الفرنسية، تحت إشراف الباحث السوري فاروق مردم بك، لم تتحدث قط عن بند يتعلق بالكتاب مع مسؤولي البلد المسلم الذي نزل فيه قرآن كريم يدعو إلى القراءة باسم ربك الذي خلق!
"درس" ماكرون مهم في لحظته، ولكن لا أحد يعرف عم ستسفر عنه في مستقبل الأيام في الجانب السعودي على صعيد الانفتاح الثقافي، فهل جولة بن سلمان مجرد حملة علاقات عامة لرسم وجه جديد للملكة المتشددة دينياً واجتماعياً، أم أنها سترسي ما يُبنى عليه؟ لكن الأكيد أن مسؤولا سعوديا رفيعاً لم يقف وجها لوجه، من قبل، أمام جسد ماريان، رمز الثورة والعلمنة الفرنسية.

*نقلا عن موقع ضفة ثالثة 


تعليقات:
الإخوة / متصفحي موقع الفجر الجديد نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز ??? ??????? حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
اكثر خبر قراءة ملفات وتقارير
نزاع إماراتي عُماني حول نسب قائد إسلامي ذو اصولٍ يمنية !
مواضيع مرتبطة
مخطوطات اليمن ضحية أخرى للحرب
أجراس الحرب تقرع في الخليج العربي
نزاع إماراتي عُماني حول نسب قائد إسلامي ذو اصولٍ يمنية !
إب ..مشافي خاصة تسرق حياة المواطنين "تقرير"
في صنعاء... دار مسنين وحيدة لم تسلم من هجمات المتطرفين
هذا ما تبقى من 'كاتدرائية صنعاء'!
تقرير السعادة لعام 2018 .. اليمن تحتل المرتبة 152 عالميا
هل بدأت واشنطن في تفعيل استراتيجيتها لمواجهة طهران؟
حزب الوزف في اليمن.. من أجل وطن بلا حيتان!