سبعون شاباً يتعلمون الموسيقى تحت القصف في صنعاء
الأربعاء 07 مارس - آذار 2018 الساعة 12 صباحاً / الفجر الجديد - تقرير- متابعات
عدد القراءات (661)
نجم الدين (15 سنة) نازح من تعز (جنوب) فقد والديه وكل عائلته، وعلى الرغم من الظروف المأساوية التي يعيشها في صنعاء لم يفوت فرصة الالتحاق في برنامج تعلّم موسيقي، تم الإعلان عنه في صنعاء مؤخراً بمبادرة من الموسيقيّ عبد الله الدبعي (53 سنة) الذي يتولى مجاناً تدريس سبعين شاباً وشابة نظريات وتطبيقات الموسيقى، في فترتين صباحية ومسائية منذ منتصف ديسمبر/كانون الأول، لمدة تسعة شهور ينال فيه المشاركون دبلوم موسيقي.
من فئات عمرية ومراحل تعليمية مختلفة تتشكل الفرقتان الدراسيتان لهذا الدبلوم، الذي يُعدّ الثاني لتعليم الموسيقى في صنعاء، خلال الحرب، وأول دبلوم يُتيح تعلّم الموسيقى مجاناً هناك. على هامش معاناتهم اليومية من أوجاع الحرب يمضي هؤلاء الشباب ثلاث ساعات يومياً في هذا البرنامج، الذي يعمل عليه عازف مخضرم من فناني الفرقة الوطنية للموسيقى تجشم مبادرة تأهيلهم، على أمل أن يحلّ بعضهم محل أعضاء الفرقة الوطنية التي أصبحت بلا موسيقيين، جراء عدم وجود معهد موسيقى في صنعاء ووفاة وتقاعد معظم أعضائها.
«لم يكن تنظيم هذا البرنامج خلال الحرب هو الهدف بحد ذاته، وإنما كان مشروعا قديما ظل يرافقني، وأنا أجد عدد فناني الفرقة الوطنية للموسيقى يتناقصون بسبب الموت والتقاعد حتى تلاشت الفرقة... فجاءت الحرب والفكرة قائمة؛ حتى كان تشجيعها من قبل منتدى الحداثة والتنوير الثقافي ووزارة الثقافة بمجرد أن بدأت» يقول المدرب والمعلم الموسيقي عبدالله الدبعي، ويضيف متحدثاً لـ«القدس العربي»: «عندما تم الإعلان عن الدبلوم وصل عدد المتقدمين إلى 140 شخصاً فاخترنا منهم بعد الفحص 70 شخصاً تم توزيعهم إلى مجموعتين».
ما يضاعف من خصوصية هذا البرنامج إنه لا يلقى أي دعم، كما لا يتقاضى أي رسوم من المتدربين «لأنه لو طلبنا رسوماً من الطلاب في ظل الظروف المعيشية الصعبة، فكثير منهم لن يستطيع الحضور؛ كما أن الطلاب يأتون من أنحاء بعيدة من العاصمة ويتحملون يومياً نفقات مواصلاتهم وبعضهم يأتي مشياً» يوضح الدبعي. «حتى أنا أتحمل تكاليف تنقلاتي وأعمل بمجهود ذاتي من أجل تخرّيج عازفين ماهرين؛ لأننا في حال نجحنا، وفي هذه الظروف، نكون قد حققنا نجاحا كبيرا».

حاجة لا ترفا

بلا شك أن تعليم الموسيقى خلال الحرب، يصبّ، في نهر السلام باعتبار الموسيقى من أهم ينابيع الوعي الإنساني بالحياة، كما أن الإقبال على تعلم الموسيقى خلال الحرب يؤكد مدى حاجة الناس في هذا البلد للفنون؛ وهي نتيجة طبيعية؛ فعندما يحاصر الإنسان الموت تجد الشباب أكثر تفاعلاً مع أي مبادرة تكرس وعيه بالجمال. وتبرز الفنون والموسيقى من وسائل تمكين الحياة من استعادة توازنها في الداخل الإنساني ومن ثم في المحيط الاجتماعي... نتحدث ـ هنا ـ عن الموسيقى والفنون عامة باعتبارها حاجة لا ترفا.
بالعودة إلى عناصر الصورة التي يتجمع في إطارها هؤلاء الشباب حيث يلتقون في غرفة في المركز الثقافي في صنعاء ليتلقوا درسهم الموسيقي اليومي من معلم يشاركهم واقعهم ومعاناتهم من الحرب... كل شيء هنا لديه قصة تروي معركته مع الحرب؛ فالمعلم الذي يتولى تعليمهم وتدريبهم، على الرغم من أنه من أقدم عازفي الفرقة الوطنية للموسيقى في صنعاء، يعاني شظفاً في العيش؛ فهو كبقية موظفي الدولة هنا بلا راتب منذ أكثر من عام، وعلى الرغم من ذلك لم تمنعه تلك الظروف القاسية من تحمل مسؤولية المبادرة والتعليم والتدريب الموسيقي المجاني يومياً لفترتين صباحية ومسائية. عندما ينتهي الدبعي من درس الفرقة الصباحية يتجاوز بجسمه النحيل سور المركز الثقافي، حيث يشتري علبة زبادي ويعود لتناول غداءه المتواضع؛ لأنه لا يستطيع الذهاب لمنزله ومن ثم العودة مساء، ولهذا يبقى منتظراً مجيء طلاب الفرقة المسائية، وكذلك الطلاب والطالبات؛ فبعضهم يعيش وضعاً معيشياً صعباً فنجم الدين ليس لديه مَن يعوله وتسرب من مدرسته وفرّ من الميتم الذي كان يأويه بعدما صار لا يجد فيه ما يأكل، وصار في الشارع، لكنه يحضر درس الموسيقى، ومثله مَن يتجشم عناء المجيء يومياً من مسافات بعيدة في العاصمة مشياً إلى غرفة الدرس؛ كما يشير عبدالله الدبعي إلى مشاكل أخرى يعانون منها أهمها قلة الآلات المتوفرة، ما يجعل التدريب عليها بالتناوب بين الطلاب والطالبات...ومشاكل أخرى لم تثن هذه المبادرة عن الاستمرار في تعليم الموسيقى رغم أنف الحرب.

الموسيقى والحرب

المشاركون في برنامج تعلم الموسيقى المجاني المستمر في صنعاء لا يرون في تعلم الموسيقى تحت ظروف القصف والحرب وتداعياتها ما يثير الاستغراب والتساؤل؛ فهم كانوا يحلمون بتعلّم الموسيقى، وما أن وجدوا فرصة سانحة لهم من خلال هذا البرنامج التحقوا به مبتهجين لا يعنيهم أنهم يعيشون في بلد حرب وفي مدينة تحت القصف... بل ما يعنيهم أن يستمر البرنامج ويحترفوا العزف ويتخرجوا عازفين تربطهم علاقة هُوية بالموسيقى.
بعض هؤلاء ممن تحدثوا لـ«القدس العربي» أوضحوا أن التحاقهم بهذا البرنامج جاء استجابة لرغبة في اكتساب مهارة ممارسة هواية أصبح احترافها، في ظل ظروف بلدهم، أكثر أهمية بالنسبة لهم؛ لأن العزف سيمنحهم قوة على مواجهة هموم واقعهم المشحـــون بتداعيات الحرب، معتــبرين أن تعــلّم الموسيقى يمثل خياراً حقيــقياً من خيارات الســـلام، ومن أهم وسائل صنـــاعة الســلام الداخـــلي للفرد كمقدمة لصناعة الســلام الاجتـــماعي؛ وبالتالي فالموسيقى ضرورة ثقافية في وجه الحرب؛ إذ يكفي أن تحمل الكمان وتعزف وتناجي روحك متجاوزاً هموم الواقع من حولك كما يقول يوسف (27 سنة)، وبالتالي فالموسيقى محاولة للاستمرار في الحــياة، كما تؤكد غادة (28 سنة) معتبرة أن تعلـــيم الموسيقى كان هدفا وهواية لديها، وبمجـــرد ما عرفـــت بهذا البرنامج التحقت به «ولهذا تجدني أقطع مسافة طويلة للوصــول إلى هنا لنمارس ما ينسينا الحرب»، وهنا يقول خالد (38 سنة) إن الحرب كشفت أن الفنون ضرورة وغذاء للروح، كما تؤكد على أن ممارستها وتعلمها يؤكدان مدى إصرار الشعب على التمسك بالحياة... ويشاطره الرأي زميله محفوظ (25 سنة) قائلاً» اتعلم كي أعزف لنفسي، والعزف للذات شيء جميل يؤهلها لتكون أقوى وأفضل مع الحياة».
وتعاني الفرق الموسيقية التابعة لوزارة الثقافة في اليمن من انتماء معظم أعضائها لجيل واحد وبالتالي فإن الفرقة الوطنية للموسيقى في صنعاء التي تأسست عام 1975 فقدت اليوم غالبية أعضائها موتاً وتقاعداً، ومَن تبقى منهم غيّبته الحرب، لتأتي هذه المبادرات، وفي مثل هذه الظروف غير الطبيعية، مؤكدة متانة علاقة الشعب اليمني بالفنون وانحيازه لها، وفي المقابل مدى تقصير مؤسسات الدولة خلال الفترة الماضية في تحمل مسؤولياتها في تعزيز حضور الفنون كعمل مؤسسي يتحمل مسؤولية تكريس ثقافة السلام ومحاصرة ثقافة العنف والإرهاب والحرب...وهو ما كان سبباً من أسباب ما يعانيه هذا البلد من احتراب منذ نحو ثلاث سنوات.

 

المصدر: القدس العربي


تعليقات:
الإخوة / متصفحي موقع الفجر الجديد نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز ??? ??????? حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
اكثر خبر قراءة منوعات
بالفيديو.. شاهد ما فعلته أفعى برجل كان يستخدمها لتهديد الفتيات أثناء اغتصابهن
مواضيع مرتبطة
مصرع شقيقين برصاص بعضهما إثر خلاف بسبب سلة غذائية في حجة
اطلاق الجيل الخامس لشبكات المحمول
اختتام مهرجان الإبتسامة وفعاليات يوم اليتيم العربي بمؤسسة اليتيم التنموية
رائد فضاء روسي ينشر صوراً فضائية لمكة المكرمة لم تلتقط مثلها عدسة الكاميرا ..شاهد
شاهد أول هاتف ذكي تفوق على “آيفون” قبل 13 عامًا (صور)
ألبوم موسيقي جديد ممنوع أثناء قيادة السيارات (السبب؟؟)
قرص أسبرين ينقذ حياة مرضى السكري والقلب
حقيقة زواج كاظم الساهر واسم زوجته؟
وداعاً للبرود الجنسي مع هذا المشروب السحري
شيسيدو تستحوذ على أحدث تقنية مبتكرة من مختبرات أوليفو