المبتدأ والخبر فيما تحتاج الأمة من عظات وعبر
بقلم:/كفاح جرار
بقلم:/كفاح جرار


المبتدأ والخبر هما أصل اللسان وماهيته، رغم معرفتنا أنهما يشكلان الجملة الإسمية، فقد جعل منهما ابن خلدون سواء في الاجتماع أو التاريخ، اسما لا يمكن نسيانه أبدا عندما وضع ما أسماه/ وفي الاسم ألغاز وأحاج كثيرة/ كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، فكانت هذه المقدمة فاتحة فكرية لتفاصيل العلوم اللاحقة، التي أجادت أوروبا ممثلة براهبها توماس الإكويني فهمها والتأسيس عليها لإنتاج علوم جديدة تأسست على القاعدة الخلدونية والرشدية معا، بل واعتبروه مؤسس على الاجتماع وواضع أسس البحث الأكاديمي في علوم التاريخ، واليوم تطرح بإلحاح قضية العرب وعلم الجهل، بعدما راج عند العامة والخاصة، أن القيمة، مطلق قيمة، مرهونة ومرتبطة طرديا لما تمتلكه الجيب والمحفظة من أوراق بنكنوط، مع أن القيمة الحقيقية في شريعة هؤلاء الذين يزعمون تبعية دينية، هي للفكر العلمي أو لعلوم الفكر التي احتقروها وازدروها بذريعة أنها لا تطعم خبزا، فالذي يشجع شيئا ينفق عليه ويرعاه ويحضنه وينميه ويثمره، ولكننا الآن أكثر تخلفا من دولة ما بعد المأمون، وبالمعنى الحرفي للكلمة، فقد كانت تلك مملكة حاكمها وتاجها الكتاب، وكان للعالم فيها قيمة وزير في عهدنا، وقد نجح أولئك في عصرنة حواضرهم جميعا وليس بغداد فقط، ولو صنعنا لوحة تشكيلية لهندسة المدن في ذلك الزمن لحسدناهم على معيشتهم، ولتمنى معظمنا الحياة في تلك الحواضر، ويلاحظ أن عدد مكتباتنا الذي يعد على الأصابع لا يتناسب ولا بأي متوالية حسابية أو هندسية مع عدد المطاعم والمقاهي وبيع المواد الاستهلاكية التي تفرخ باستمرار، ما يعني أن الحديث عن بحث علمي عربي، هو كحلم رجل فقير معدم بامتلاك باقة ورد فاخرة، ولا يضيرنا الاعتراف بذلك لأن التغيير يبدأ من هنا، وفي المقابل لدينا من العلماء والمفكرين والمبدعين ما ليس عند غيرنا من الأمم، وكما أنهم يحسدونا على مجتمعاتنا الشبابية، فإنهم أكثر حسدا على طاقاتنا العلمية والفكرية، وقد ساهم الاستبداد العربي في هروب الكفاءات وهي معذورة ولا إثم عليها، وكل من يتحدث "من فوق" عن ضرورة عودة الأدمغة العربية المهاجرة، إنما هو كاذب ويدغدغ في الناس مشاعر كاذبة، وهو أعلم الناس بضرورة عدم عودة هؤلاء، لأن الذي يفكر يمثل الخطر على حالة ازدهر فيها الجهلاء، وهنا تنتعش عقلية أبو جهل الذي عرف طريق الحق وتأكد منها، لكنه رفضها ومنع الناس عنها لأنه ببساطة أبي جهل، وبالتالي كيف يشجع شبيه أبي الجهل عملية البحث العلمي وعدوه اللدود اسمه الكتاب، وماذا يشتهي ويتمنى صاحب الحاجة غير تلبية حاجته؟.
ملاحظة أخرى تتعلق بعدد المكتبات في مدننا وأحيائنا، وهي في أعلى تقدير تتساوى مع عدد الخمارات في كل مدينة، وهي التي تقلص عددها بشكل ملفت باعتبارنا -كما يقولون- مجتمعات متدينة محافظة، يصفونها ظلما وزورا "إسلامية".. ولست أعلم وغيري من الإسلام إلا اقرأ، وهذه الـ اقرأ تتناقض جذريا مع الواقع التاريخي لمجتمعاتنا التي تؤمن بالقرش ومفعوله، وتلك من أعمال من عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، هم الذين استخدموا المال للتأسيس لملكيتهم أولا ثم إطالة عمرها ثانيا ثم توريثها ثالثا، ثم سيطروا على بيت مال الأمة فصار بيت مال السلطان، وكانت تلك أولى بذور الفساد التي أثمرت وأينعت واستشرت، وإن وجد العكس فهو الشاذ الذي لا يحفظ ولا يقاس عليه، وهل يسعى المستبد مثلا لتشجيع مراكز البحث والفكر والدراسة، أو يعمل ما بوسعه لبناء جيوش تمتاز بالخصوصية الفردية ولا تعرف أو تعي حق المواطنة، وهي جيوش لم يصنع لها طلقة واحدة، وكل ولاءها للمستبد الذي يختصر بمنظورها حالة الفردية المطلقة، وما يجري في دولنا أنهم يشجعون العسس ويمنحون رخص فتح المقاهي والملاهي، لأنهم يرونها خير منبت للتنمية المستدامة وبناء المستقبل الواعد.
أتعرفون ماذا يسمونها؟.
هل تعرفون أننا نمتاز عن جميع خلق الله تعالى بأشياء لا يعرفها ولا يعيها، بل ولم يسبقنا إليها نور الدين مرسلي وهشام الكروج والحبشي جبرا هيلاسيلاسي؟.
ربما نجري بسرعة الضوء، لم لا، طالما تعلق الأمر بالفرادة والتميز، ولكن عن أي فرادة وأي تميز نتحدث؟.
ثم نتهم جهلا او تجاهلا واستهبالا العالم بالتآمر علينا لقتلنا وسلبنا ثرواتنا وتمزيقنا..وكأننا متحدين متماسكين متراحمين توزع ثرواتنا بيننا بالعدل والقسطاس.. بل وكأن العلم هو الجائر المستبد ونحن الرحماء الانسانيون. ويتجاهل هؤلاء المستهبلون تاريخا طويلا من التمزق والدم والفرقة والبغض افتتحناه بقتل خليفتين هما عثمان وعلي... واستحكم فينا سيف القتل بلا غرب أو شرق وصهيونية.. وسؤالي متى سنقرأ تاريخنا وتراثنا بروح العقل وعين النقد والمساءلة ونتبتعد عن الاتهامات الجاهزة؟ متى سنفتح هذا التاريخ وذلك التراث الذي زادنا فرقة وضياعا وتشرذما.. بل متى سنقرأ التاريخ قبل أي شيء فمن لا ماضي له فلا حاضر ومستقبل يصنعهـ، ولمن يجهل ويستكبر نسأله: كم قتل عبد الملك بن مروان من تابعين وغيرهم فهل تجهلون تاريخ هذا الملك الأموي؟.
نحن نتبجح في التاريخ، وننتفخ كالديك الرومي تفاخرا، ولم نقرأ كتابا تاريخيا واحدا يخصنا على سبيل المثال، وأيضا لم نحسن أداء الأمانة التي تركها لنا خير البشر من الشهداء.
ونصر ونلح على أهمية الثقافة ولا يقرأ الواحد فينا كتابا طيلة حياته، العامرة بالقهوة والشمة والبصاق والقات، ونشتهي الحديث في السياسة ونأخذ المواقف الارتجالية وقلة فينا من يتابعون نشرة أخبار كاملة، ونتحدث في الحرية والديمقراطية ونحن ألد أعداء التحرر العقلي والاجتماعي، ونمقت أشد المقت كل سلوك ديمقراطي قد يضعنا على الرف، أو على الهامش.
جلنا ينتقد ويطالب وقلة قليلة جدا بعدد شهداء أهل الجنة من لديه صدقية العمل، ويمتلك صفاء النية في التغيير الهادئ والسليم.
تلك ميزات نعرفها، وبالأخص أننا قهرنا فرنسا وسحقناها ومرغنا أنفها بالتراب، وبصقنا في وجوه عسكرها، وأذقنا ديغول الذلة، ولعنا أجداد نابليون الأول والثاني والثالث، وجبنا الجبال طولا وعرضا وارتفاعا، ومع ذلك نشتهيها ونسارع لزيارتها ونفخر بسلعها، والأنكى حيث يكون ما قد سبق مقبولا، فلسنا ننكر جودة بضاعتهم وغزارة ثقافتهم، لكننا نحتقر لساننا كرامة لعينيها، فالأمي الجاهل منا يستعمل مفردات إنكليزية أو فرنسية مكسرة محطمة، ظنا منه أنه بذلك بات من أهل العالم المتقدم والمتحضر، وقذف بتاريخ التخلف وتبعاته وراء ظهره إلى غير رجعة، فالمهم أن نقلب الراء غينا مع "شوية" بهارات كلامية، وبذلك نحقق ما عجز عنه غيرنا من أهل المعمورة.
كما أن لجميع دول العالم، مهما كانت طبيعة هذه الدول وزارات مهمتها تنفيذ البرامج الحكومية الخدماتية والسياسية والاقتصادية وغيرها، ونمتاز عن جميع تلك الدول في وزارات تؤدي مهمتها معكوسة تتناقض مع اسمها، فلدينا وزارة لصناعة الجهل، يسمونها وزارة التربية الوطنية، ولست أدري سر حذف اسم التعليم، فقصروا اسمها على التربية، ربما لأن الأسرة لا تقوم بدورها التربوي كما ينبغي، مع أن الحبس أيضا اسمه مؤسسة إعادة التربية والتأهيل، ولدينا كذلك وزارة لصناعة المرض وتطويره، اسمها بالكامل، وزارة الصحة والسكان وإصلاح المستشفيات، ويتبع لها وزارة أخرى خاصة بالمرأة والأسرة، ولها تداخل مع وزارات عدة، كالتضامن والعمل وغيرها.
فما الذي أنجزته هذه الوزارات من اسمها؟.
تلك قصة ذات شجون تستحق الخوض فيها بحكمة ووعي، فدعونا نخوض مع الخائضين.
في الأحد 24 سبتمبر-أيلول 2017 04:06:46 م

تجد هذا المقال في الفجر الجديد
http://alfjeralgaaded.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alfjeralgaaded.net/articles.php?id=297