كلام حق في واقع باطل
بقلم:/كفاح جرار
بقلم:/كفاح جرار
يوم يحلم اليمني والموريتاني برغيف واحد اسمه الكرامة
بقلم: كفاح جرار*
لطالما لعنت كرة القدم ومن ابتكرها، وما أظنه إلا إبليس نفسه الذي فكر ودبر وابتكر، فأنتج لنا لعبة الدم والفتنة والفساد هذه، وهي لعبة لاحظوا أنها "لعبة" أي تتناقض مع الجدية والاتزان، لكنها رغم صفتها، تعني الجد والحزم والغلظة بعينها، فيلعبها الكبار وشعبيتها وسط الكبار، رغم أن اللعب عادة ما يكون للصغار، لتسليتهم وتوسيع مداركهم، وتحفيزهم على الابتكار، وما عرفته وتعرفه بلادنا، له علاقة وثيقة بالمنطق الكروي نفسه، وهي البلاد التي ترعرعنا على أنها بلاد العرب أوطاني، من الشام لبغدان، ومن نجد إلى يمن، ومصر فتطوان، وقد دفعني هذا النشيد الذي حفظناه عن ظهر غيب، للتساؤل عن نبؤات خفية يتمتع بها الشعراء، مع اعترافي بغوايات معظمهم وأتباعهم، وإلا لماذا ربط الشاعر محمود سامي البارودي، بين الشام وبغداد، والسعودية مع اليمن، ثم مصر بالمغرب؟.
هل كان ذلك بمحض الصدفة العاطفية والوزن الشعري؟، شخصيا لا أعتقد ولا آخذ بهذا القول، وإن استنطقنا التاريخ، يخبرنا عن دولة شامية للأمويين دمرتها دولة بغدادية للعباسيين، وقبل التشكل السياسي العربي، كان العداء متبادلا بين دولة المناذرة العراقية التابعة لفارس، ودولة الغساسنة الشامية الملحقة بالروم، ولاحقا بكثير كان البعثان الشامي والعراقي على طرفي نقيض، أشبه ما يكونا بالدولتين اللتين قرضهما الإسلام، فلم يتفقا معا إلا على قتل نفسيهما، وكان لسان حال التناقض هنا "التبعية" للغير ولا شيء آخر، والحال نفسه ينسحب على اليمن مع جارتها الكبرى، التي اقتصت تاريخيا من بلاد السعادة، نجران وعسير وجيزان، وفي التاريخ يقولون إن كنيسة صنعاء "القليس" كانت سببا لعزم الأحباش هدم الكعبة، أي للتناقض جذوره التاريخية أيضا، وكان لسان حاله هنا اقتصادي بثوب الفكر، فالشقيقة الكبرى تخشى من واقع حضاري يمني مغيب، لو حك أحد أبناء حضر موت جلده لوجد جلدا موغلا في الحضارة، ولن نغض الطرف عن التناقض الذي كان قائما بين مصر الناصرية الأمنية، ومملكة المغرب التي ساسها الراحل الحسن الثاني برجال المخابرات أيضا، وكانت الوطنية لسان حال نزاعهما.
وفي الموضوع اليمني دوما، كان للشباب ثورتهم التي حملت اسمهم، وقد كتبت يومها، إن السعودية لن تسمح بثورة في خاصرتها الجنوبية مهما كان الحال، فالترابط العضوي بينهما، سيؤدي آليا إلى انتقال عدوى داء العدالة والمساواة والحرية من تحت إلى فوق، وفق قاعدة انتقال الهواء الساخن، من تحت إلى فوق أيضا، فهل تحتمل الرياض هواء ساخنا يأتيها من جارة لم تضمد بعد آلام وحدتها الجريحة؟.
رهانات المستقبل
الداء العربي واحد كما الدواء واحد أيضا، وتلك هي أهم مقومات وحدتنا، فقد يختلف الموريتاني عن المصري، وهذا عن اللبناني والعراقي، والتونسي عن اليمني، لكن في المحصلة النهائية لخلطة التوابل العربية هذه، فإن ما ترنو إليه شعوبها الشابة، يتجاوز اللغة والدين والمصير والتاريخ، فهذه قضايا قد تجاوزناها ومن المعيب إعادة طرحها من جديد، فالراهن والمستقبل هما ملعب كرة القدم بجميع لاعبيه، الذين أشبه ما يكونون بالحكام العرب، والشعوب العربية التي تمثل بمجموعها الأمة العربية هي الكرة التي يتقاذفها اللاعبون، ولا تسألوا عن جمهور المشجعين، ألا يكفيكم الأمريكان والروس والأوروبيين ومعهم الصين واليابان وما جاورها، كلهم يشجعون اللعب غير النظيف طبعا.
فالحلم العربي الشاب واحد لا يتجزأ، الكرامة الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية والحرية الفكرية، وما وراء ذلك هي جزئيات من ذلك الكل، كالتعليم وتكافؤ الفرص والمساواة، وأما الديمقراطية فرغم أهميتها، لم يستوعبها العقل العربي ولم يشب عليها، ولم يهضمها بعد، مع أنها أهم شروط الحكومة الإسلامية، وكانت السبب في ولادة الفرقة الإسلامية تاريخيا، يوم تحولت الخلافة إلى حكم ملكي دستوري لم يعمر طويلا، ثم أصبحت ملكية استبدادية وراثية، كان القرآن دستورها الشكلي، ومزاج الحاكم العرفي هو المعمول به دوما.
بعد ذلك ليس غريبا فهم آلية انتقال شرارة الانتفاضات الشعبية العربية، من تونس إلى مصر فاليمن فليبيا وسوريا والعراق..إلخ. فالمطالب المستقبلية واحدة، ومشكلة الراهن القائم هي نفسها، مع اختلافات طفيفة في الواقع الاقتصادي والاجتماعي المعاش، لأن الأمية والفقر والمرض، وفساد الجهاز القضائي، والاقتصاد الهش هي سمات عربية مشتركة، حتى عند الدول ذات الضخ النفطي العنيف.
فقد توحدت المطالب، من الجنوب إلى الشمال، والعكس صحيح، وهي مطالب شباب غابت عنه ملامح المستقبل، أو غيبوها عنه، يوم لم يضعوا لهذه القوى الفتية أي مكانة في حساباتهم الفئوية والمذهبية والعائلية، وما عرفناه أيضا كتداعيات لانتفاضات العرب، غياب الحوار بكافة أشكاله، وكأنهم مجموعة من الناس بألسنة مختلفة اجتمعوا في طائرة على وشك السقوط، فالجميع يبحث عن النجاة لنفسه، دون أن يمتلك أدنى أواليات الحوار مع جاره.
زيارة حملت جرحا
 وقد أتيح لي يوما، زيارة شمال اليمن، وبعدها جنوبه، فلمست عند الجميع هما واحدا، اسمه المستقبل ومن يصنعه، ولم يكن وارادا في ذلك الوقت أي حديث عن تغيير انتفاضي عنيف، حتى بات معظمنا، وأقصد النخبة المعارضة، يعتقد أن الاستبداد العربي قدرا مقدورا ولا إمكانية لتغييره إلا بالتدريج، وقد طرح أحدهم يومها تشجيع التعليم وتدعيمه، كوسيلة وأداة لإحداث التغيير الديمقراطي مستقبلا، ولم يسأل هؤلاء أنفسهم كيف سيشجع المستبد تعليما سوف يطيح بابنه الذي يعده لخلافته مستقبلا؟.
وتلك أيضا من تداعيات الحمى العربية، التي لم تحسن توصيف سبب ارتفاع درجة حرارتها، وكانت الموضة السائدة عند الأحزاب والقوى السياسية العربية، أن تدخل صفة الديمقراطية في أسمائها، لتأكيد حاجة لا يحتاجها غيرهم، وهي لزوميات ما لا يلزم، وإن كان للمعري جمالياته الأدبية في لزومياته، فإن النخب السياسية العربية لم تنتج إلا الخيبات والانهيارات، ففقدت بذلك أي حس جمالي، حتى في التعبير عن هموم شعب من الشباب، لم يتمكنوا حتى من استقطابه داخل هياكلهم الحزبية والتنظيمية، والسؤال: هل كان يعنيهم كثيرا أن يناضلوا باسم الشباب وهم من العجائز الهرمة، التي ترفض الاعتراف بانتهاء أجل الصلاحية، فكانوا باسم الديمقراطية يكرسون معارضة مستبدة، هي في أحد أوجهها أسوأ من الاستعمار الداخلي نفسه؟.
وهذه قضية أخرى تطرح أزمة النخبة، وتضعها على محك التجربة، وعند أول هزة اكتشفنا أن المبرد يعمل في حديد صدئ، فكانت الفوضى التعبير الأمثل عن مخاض ظنه بعضنا ولادة، لكن الكائن الوليد لم يتنشق هواء الحرية، لكي يصرخ معلنا بدء تاريخ جديد.
إن حجم الشرخ وعمقه بين النخب العربية والشعوب، هو ما يجب التركيز عليه، ولعل اليمن هي أكثر من يعبر عن هذا الألم المجتمعي، حيث اختلطت العشيرة بالعائلة بالدين بالاقتصاد بالتبعية بدعوات الحرية، ومن كان يحلم، أو يتخيل، يوم زرت اليمن في ثمانينيات القرن المنصرم، أن نسوة يمنيات سوف يتظاهرن مطالبة بالتغيير، فقد طفح الكيل، لكن هناك من أحدث عدة ثقوب في أسفله، فعاد الخلط على حاله وإن بدرجة أقل حدة، ولكن إلى حين، والمؤسف أنه لم يتجرأ أحدهم لدراسة هذه الحقيقة، في الكراهية المتبادلة بين الانتلجنسيا وبروليتاريا شعبية تضخمت حتى أنتجت إنسان ما تحت الهامش، وتلك معضلة لم تقدر عليها حتى القوى الماركسية التي كانت تغني باسم الفقراء لتحصد أموال السلطة لنفسها.
في الكرة والشيطان
تعززت قناعاتي إذن، بأن هذه الكرة هي للشيطان حقا، وربما لاحظتم أن المباريات تبرمج وقت الجمعة مثلا، فيكون بعض الناس في صلاتهم ومعظمهم يشتمون ويسبون وحتى يكفرون، ثم يقتتلون ويقتلون من أجل كرة لست أرى لها أية نكهة سوى تأكيد الجاهلية الأولى والثانية والثالثة.
وهو حالنا نحن، بين أقدام الحكام ومن ينوب عنهم في الحكم، أي الحكومات والإدارات، وإلا أليس نوعا من الجنون أن يكون مشجعي اللعبة هم من الفقراء والمعدمين، الذين لم ينالوا من حق المواطنة إلا القمع فقط، والأموال والشهرة والنجومية تذهب إلى لاعبين يغريهم غباء مشجعيهم؟.
ولهذه اللعبة الشيطانية علاقة بانتفاضات العرب، التي يعتقد بعضنا أنها مؤامرات مفتعلة، ويشبهها بالانقلابات المصنوعة والمفبركة، ومنا من يقسم وهو كاذب، أنها في إطار الشرق الأوسط الكبير أو الجديد واستراتيجية الفوضى الخلاقة، وينسى هؤلاء أن الشرق الأدنى وليس الأوسط، هو الذي سقط تحت أقدام الشباب، وأن أمريكا التي طالما أزعجنا أنفسنا طواعية بكوابيسها، بدأت تلملم أذيال خيباتها عندنا.
ولا حاجة لتكرار المكرر، ونحن حتى لا نمتلك مصفاة بترول تكرر نفطنا، الذي أوهمونا ذات يوم أنه سيحل جميع مشاكلنا، في التنمية والتطوير، فنبيعه خاما لنشتريه مكررا بأضعاف أثمانه، والمهم أنه وقد انتفض العرب كل على طريقته، فقد أنتجوا كعادتهم مفردات ومصطلحات ومفاهيم، لا يعرفها ولا يجيد إنتاجها غيرهم، اتفقت جميعها على رغيف الكرامة، غير المغمس بالدموع والدم والقهر، وقد أنتجت ثورة اليمن الأولى، أو على الأصح ثورة الشمال السبتمبرية ثم ثورة الجنوب الأكتوبرية، دولة تتوق للبناء والتغيير وأخرى ترنو بأحلامها نحو الشمال، وقد لا يعرف معظم العرب، أن جنوب اليوم كان أكثر انفتاحا ومدنية من شماله، ربما لأن دولة الإمام كرست واقعا قبليا وعائليا وقيميا، كان من الصعب جدا التخلص منه، بينما كان الاحتلال البريطاني دافعا ومحركا لمدنية وإن كانت ظاهرية، فهي بمثابة الحلم لابن الشمال المدفوع نحو الوراء دوما.
ومن جهتهم كان للحكام مفرداتهم أيضا، فالمتنحي أو المرغم عليها، كان يقول ويردد "لقد فاتكم القطار" فاكتشفنا أن القطار لم يكن موجودا أصلا حتى يفوت أحدا، وإنما جرى مسحه والتخلص من بقاياه بثبات هادئ، كما أن الراحل المخلوع القذافي سمى معارضيه فئرانا وجرذانا، وفئة من "المقملين" فاستعان بمن لديهم خبرة في التطهير، فلم يجن خيرا وقد رأينا نهايته المأساوية، والأسد سماهم جراثيم وفيروسات، فاستعان ببرنامج "كاسبيرسكي أنتي فيروس" ولم ينفع حتى الساعة في "تنقية" المجتمع منهم، وكل الظن أن البرنامج الشهير سيمسحه هو وبعثه، ويبقى اليًمن بفتحة على الياء يبحث عن اليُمن بضمة على الياء، رغم عواصف وهزات لن تزيده إلا عمارا. 
ومازال المخاض مستمرا، بانتظار غودو الذي اقترب موعد بعثه.
                                   *كاتب صفي فلسطيني مقيم في الجزائر


في الأربعاء 29 يناير-كانون الثاني 2014 06:04:16 م

تجد هذا المقال في الفجر الجديد
http://alfjeralgaaded.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alfjeralgaaded.net/articles.php?id=17